اقتصاد

بعد أن أصبح مثقلا بالديون.. الاقتصاد المصري في حالة حرجة

أصدرت اثنتان من أكثر وكالات التصنيف الدولية نفوذا -وهما “موديز” (Moody’s) و”ستاندرد آند بورز” (Standard & Poor’s)- ومعهما أقوى بنك استثماري في العالم “غولدمان آند ساكس” (Goldman & Sachs) تحذيرا سريا ولكنه حازم موجها للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مفاده “احذروا، مصر قد تكون الضحية التالية لظروف التمويل المتقلبة في العالم”.

وقال الكاتب جان بيار سيريني -في تقريره الذي نشر على موقع “أوريان 21” (Orient XXI) الفرنسي- إن ارتفاع نسب الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية قد يؤدي إلى خروج هائل لرؤوس الأموال من مصر -ومن جزء كبير من الدول الناشئة- وكذلك ارتفاع الدولار، مما يضعف الجنيه المصري ويثقل سداد الديون الخارجية المصرية، التي تفوق قيمتها 130 مليار دولار.

وأضاف الكاتب أن الإستراتيجية المالية للحكومة المصرية منذ اتفاقية عام 2016 -التي أبرمت مع صندوق النقد الدولي- تهدف إلى إعطاء مكافآت سخية لرؤوس الأموال الأجنبية لجذبها إلى البلاد، وبالتالي تمويل عجز الموازنة العامة للدولة وكذلك العجز في ميزان المدفوعات، وهكذا يصل مجمل احتياجات التمويل إلى رقم مذهل يبلغ 35% من الناتج المحلي الإجمالي، والحال أن هذا الرقم حتى في عام 2020 (أي في ذروة جائحة كوفيد-19) لم يصل إلى 10% في الدول الغربية الرئيسية.

وتستخدم القاهرة أحد أعلى معدلات الفائدة في العالم: بين 13 و14% سنويا للقروض بالعملة المحلية، و7 إلى 8% للعملات الأجنبية.

وبحسب وكالة “بلومبيرغ” (Bloomberg) المالية الأميركية، فإن أسعار الفائدة الحقيقية المصرية (أي سعر الفائدة الاسمي مقارنة بارتفاع الأسعار) هي الأعلى في العالم.

ارتفاع نسب الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية قد يؤدي إلى خروج هائل لرؤوس الأموال من مصر (رويترز)

دين لا يمكن تحمله

ووفق الكاتب، فقد أتت هذه السياسة بثمارها؛ إذ تعد مصر من بين الدول العربية القليلة التي شهدت نموا إيجابيا عام 2020 (بين 2 و3%)، وقاومت الوباء الذي أثر في المقام الأول على السياحة، وهو القطاع الرئيسي في الاقتصاد الوطني (10% من الناتج المحلي الإجمالي)، كما استمرت في جذب المدخرين الأجانب.

في حين شهدت نصف الدول العربية انخفاضا في تصنيفها، عدا مصر؛ ففي أقل من عام، تم ضخ أكثر من 20 مليار دولار لشراء سندات مالية حكومية، وهي المقرض الرئيسي. لكن الجانب السلبي لهذه العملية هو تداعياتها على تكلفة الميزانية، حيث تمثل الفائدة التي تدفعها الخزانة المصرية 45% من الإيرادات العامة، أي ما يقرب 10% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتكمن جاذبية “الأوراق” (سندات وأذون الخزانة) المصرية في الفجوة بين أجرها مقارنة بالأوراق الأميركية أو الأوروبية التي لا تكاد تتجاوز 0%.

فإذا ارتفع الدولار -كما هو متوقع- سيتعين على القاهرة أن تحذو حذوه، وسيكون ذلك مستحيلا مع المستويات التي وصلت إليها بالفعل. في حين إذا قام الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) -الذي يواجه ارتفاعا في التضخم بأكثر من 2% سنويا- برفع معدلاته بمقدار نقطتين، فسيكون على البنك المركزي المصري أن يتبعه -على الأقل- ويفرض على المالية العامة عبئا لا يطاق.

فما الذي سيتبقى بعد ذلك لدعم أعباء الدولة الأخرى، بما في ذلك الإنفاق العسكري والأمني؟ وبالتالي، ستنتهي إستراتيجية الأموال باهظة الثمن، وسيتعين على المسؤولين المصريين حينها مواجهة أزمة مالية غير مسبوقة.

ويرى الكاتب أن استئناف التضخم لا يساعد في حلحلة الأزمة، ويقلص هامش مناورة البنك المركزي المصري الذي كان يرغب في خفض أسعار الفائدة، لكنه أبقاها مرة أخرى عند مستواها المرتفع في 16 سبتمبر/أيلول 2021، ومن المتوقع أن يرتفع المؤشر العام للأسعار بنسبة 6.6% في 2021-2022 تحت ضغط التعرفة العامة للطاقة التي زادت بنحو 9% بعد التخفيض الكبير في دعم الكهرباء والوقود الذي تقرر قبل الصيف.

وهكذا يدفع المستهلكون مقابل الهدايا المقدمة للمضاربين الأجانب، وتقترح “ستاندرد آند بورز” إصلاح تمويل العجز المزدوج، واللجوء إلى استدانة أقل، وتفضيل الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يتمتع بميزة عدم إمكانية السداد. وحاليا، يمثل هذا الاستثمار 2% بالكاد من رؤوس الأموال الدولية الوافدة إلى مصر.

وهنالك سبب وجيه لذلك، إذ طوّق الجيش المصري القطاع الاقتصادي ولم يترك مجالا كبيرا للقطاع الخاص، وطنيا كان أو أجنبيا، بغض النظر عن المحروقات التي تستحوذ عليها شركة “إيني” الإيطالية.

ويقول الكاتب إن مؤشر مديري المشتريات الذي يتتبع القطاع الخاص يتراجع منذ 4 أشهر، إذ لم ينس الجنرالات محاولة الرئيس الأسبق حسني مبارك وابنه تعزيز رواد الأعمال من القطاع الخاص بالخصخصة وبمزايا متعددة، لكن ثورة 2011 أطاحت بـ”الرأسمالية الصديقة”، وقام الجيش بهجوم لاحتلال قطاعات جديدة. وعلى أقل تقدير، منع المدنيين من العودة إلى مواقع قيادية في الاقتصاد المصري.

Egypt's pound notes are pictured in stacks of 100 as employees count money at an exchange office in downtown Cairo June 5, 2014. Egypt's currency black market is under threat from two directions, as aid from wealthy Gulf states promises to ease a dollar shortage and an increasingly confident central bank engineers a gradual depreciation of the Egyptian pound. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh (EGYPT - Tags: POLITICS BUSINESS)مصر تكسب من عمالة أبنائها في الخارج أكثر مما تكسبه من التصدير (رويترز)

الدور المحوري للجيش

الحل الآخر -وفق الكاتب- هو تقليل ميزان العجز التجاري الذي وصل إلى مستويات قياسية (ناقص 46 مليار دولار عام 2019) وذلك عبر تعزيز الصادرات. ووفقا لستاندرد آند بورز، إن قاعدة التصدير ضعيفة بشكل كبير؛ إذ تبلغ بالكاد 13% من الناتج المحلي الإجمالي عند إضافة الخدمات (السياحة، وقناة السويس، إلخ) إلى المنتجات. وحاليا، تصدّر مصر بشكل رئيسي الأسمنت والأدوية ومنتجات الحرف اليدوية، في الوقت الذي تجاوزت فيه مدخرات العمال المهاجرين المرسلة إلى مصر (31.47 مليار دولار) عائدات الصادرات (25 مليار دولار باستثناء الهيدروكربونات).

ويردف الكاتب أن مصر تكسب من عمالة أبنائها في الخارج أكثر مما تكسبه من التصدير، ولإضافة المزيد من السلع الأكثر ربحا إلى هذه القائمة المتواضعة، يتعين الاستثمار في أنشطة جديدة، لكن السياسة المالية الباهظة للنظام لا تسمح بذلك، ولا تتمتع الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة بصلاحية الوصول إلى الائتمان المصرفي، وغير قادرة على تحمل الفائدة الربوية التي يتم فرضها بتوجيه من البنك المركزي المصري، في وقت تستثمر فيه الدولة في العقارات، وتركز جزءا كبيرا (غير معروف) من رأس المال المقترض لبناء عاصمة جاهزة شرق النيل.

أما بالنسبة للجيش، فهو يسعى قبل كل شيء إلى الحصول على أرباح المنافذ الوطنية التي غزاها بفضل المهارات الخاصة للجنرالات والدعم في جميع المجالات من الحكومة، ولم يتبق إذن الكثير من اللاعبين لتعزيز مبيعات التصدير. وفي ظل هذه الظروف، من الصعب رؤية كيف يمكن أن تنخفض حصة الدين الخارجي من 90% من الناتج المحلي الإجمالي اليوم إلى 84% عام 2024، كما تتوقع الحكومة المصرية.

فهي تتوقع نموا قويا (+5.5% سنويا) وتستعين بوصفة سحرية قدمتها أكثر من مرة، وهي “الإصلاحات الهيكلية”. وفي الربيع، تبنى مجلس الوزراء رسميا برنامجا كبيرا للإصلاح الهيكلي، وهو “برنامج الإصلاح الهيكلي الوطني” من دون تحديد محتواه بدقة، مما ولّد شعورا بالإحباط لدى خبراء صندوق النقد الدولي، ومنذ ذلك الحين، لم يعاود الحديث عنه واقتصرت الإصلاحات على خفض الدعم، بينما تتعرض البلاد لخطر أزمة اجتماعية خطيرة مع بطالة في صفوف الشباب تجاوزت 25%.

المزيد من اقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى